آل دقلو وصناعة الفتنة من أجل الهيمنة: المسيرية الحمر في مواجهة مخطط الإقصاءعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

 

تعيش مدينة الفولة هذه الأيام على وقع تطورات مقلقة تنذر بانفجار فتنة اجتماعية عميقة الجذور، تعيد إلى الأذهان صراعات الماضي القريب، حيث عاد أبناء من بطن أولاد سرور من قبيلة المسيرية الفلايتة/الحُمُر إلى واجهة الأحداث، ليس من باب إصلاح البيت القبلي أو إعادة تماسك النسيج الاجتماعي، بل سعياً نحو التمكين والسيطرة على مفاصل الإدارة والنظارة، مستغلين حالة الفراغ التي خلفها غياب المرجعية الأهلية برحيل الناظر عبد المنعم موسى الشوين. وفاة الأخير لم تكن طبيعية، إذ تشير الروايات إلى أن اعتقال نجله موسى تسبب له في صدمة نفسية عنيفة، أدت إلى ارتفاع مستوى الجلوكوز في دمه نتيجة الغضب والحزن، وزيادة ضغط الدم بسبب ضيق الشرايين، خاصةً وأنه كان يعاني من داء السكري والضغط المزمن، ما أدى إلى تدهور حالته الصحية ووفاته لاحقاً.

 

هذا الصراع القبلي ليس جديداً، بل هو امتداد لتوترات قديمة تعود إلى أعوام 2011 و2013، حين شهدت المنطقة اشتباكات دموية بين فروع قبيلة المسيرية ذاتها. وقد حاولت القيادات الأهلية حينها احتواء الأزمة من خلال توقيع وثيقة عهد وميثاق بمبادرة من زعماء القبائل. كان أولاد سرور قد تحالفوا حينها مع المتانين ضد أولاد هيبان، وشارك في التوقيع كل من:

أمير أولاد هيبان: إسماعيل بشارة الصافي

أمير أولاد سرور: التجاني محمد أحمد حماد

أمير المتانين وناظر المسيرية الحمر الفلايتة : عبد المنعم موسى الشوين

تم ذلك بحضور والي جنوب كردفان آنذاك، مولانا أحمد محمد هارون، وعدد من قيادات الدولة والإدارة الأهلية. ورغم أن الوثيقة مثّلت محاولة جادة لوقف الفتنة، إلا أنها لم تصمد طويلاً أمام المتغيرات السياسية والأمنية التي عصفت بالمنطقة لاحقاً.

 

اليوم، تعود الفتنة بثوبٍ جديد، مدفوعةً هذه المرة بأجندة مليشيا الدعم السريع (الجنجويد)، التي أصبحت تستثمر في تفكيك البنى الاجتماعية والقبلية في المنطقة بهدف بسط السيطرة على الموارد، والتحكم في البشر والمجال الجغرافي.

فمنذ وفاة الناظر عبد المنعم الشوين في 17 يونيو الماضي، تحرك جناح أولاد سرور بخطى مدروسة للهيمنة على النظارة، مدعومين بعلاقات وثيقة تربطهم بقيادات بارزة داخل الدعم السريع، أبرزهم يوسف عليان، رئيس الإدارة المدنية للمليشيا في غرب كردفان، وهو من أبناء أولاد سرور.

وقد تجلى هذا النفوذ في حادثة اعتقال موسى الشوين – الإداري المعروف ونجل الناظر الراحل – من قبل عثمان عجيل، مسؤول استخبارات المنطقة. لكن الأمور أخذت منحى أكثر غموضاً بعد مقتل عجيل أثناء محاولته الهروب من الفولة.

 

بدلاً من التحقيق في ملابسات مقتله، استغلت المليشيا الحادثة لتوجيه أصابع الاتهام نحو أسرة الشوين، في خطوة اعتُبرت محاولة مكشوفة لطمس جريمة تصفية موسى الشوين داخل المعتقل، وتصفية وجود عائلته من المشهد القبلي نهائياً، حيث جرى ترحيل الأسرة قسراً إلى منطقة التبون.

 

وهكذا بدأت خيوط المؤامرة تتكشف، مع بروز أسماء فاعلة في هذا المخطط، أبرزهم:

فضل الله الناير بخيت، رئيس اتحاد أولاد سرور، الذي لعب دوراً مركزياً في اعتقال موسى وترحيله إلى دارفور.

صالح الفوتي، أحد كبار قادة الدعم السريع بغرب كردفان، والذي تولت قواته حماية عملية الترحيل.

 

وفي سابقة خطيرة وغير مسبوقة، أصدرت لجنة العرف – التي شكلتها الإدارة الأهلية التابعة للمليشيا – حكماً يُلزم أسرة الشوين بدفع دية عثمان عجيل، وترحيلهم من الفولة إلى التبون. هذا القرار منح جناح آل عجيل فرصة لبسط سيطرتهم على مفاصل الإدارة في المدينة.

 

الفقيد موسى الشوين لم يكن مجرد إداري في التأمين الصحي بمدينة أبو زبد، بل كان حجر الزاوية في أي محاولة لإعادة التوازن للبيت القبلي. وقد شكلت تصفيته السياسية والبدنية ضربة قاصمة لمكانة الأسرة داخل القبيلة، مما مهد لخصومهم الطريق لإقصائهم دون ضجيج، مستغلين غياب مؤسسات الدولة واحتكام الساحة لمنطق السلاح والقوة.

 

وتشير تسريبات محلية إلى أن بشير عجيل جودة الله هو الأوفر حظاً لخلافة النظارة، بدعم مباشر من يوسف عليان وجناحه العسكري، الذين باتوا يتحكمون في الاستخبارات العسكرية والإدارة الأهلية على حد سواء، ويسيرون بخطى حثيثة نحو السيطرة على الجهازين الإداري والعسكري في ولاية غرب كردفان.

ورغم احتدام الصراع، يظل الوضع القانوني للنظارة معلقاً. ففي مارس الماضي، أصدر والي غرب كردفان اللواء ركن (م) محمد آدم جايد القرار رقم (2025/19) القاضي بعزل الناظر عبد المنعم الشوين، دون تعيين بديل، وهو فراغ استغلته المليشيا لفرض رؤيتها عبر سياسة التمكين القبلي المسلح.

 

ما يحدث في مدينة الفولة ليس حدثاً معزولاً، بل صورة مصغّرة من استراتيجية أوسع تتبعها مليشيا الدعم السريع، التي لم تكتفِ بفرض وجودها العسكري، بل اتجهت نحو إعادة تشكيل البنية الاجتماعية على أسس الولاء والزبونية والانتماءات الضيقة، بعيداً عن مفاهيم المصلحة القومية والسلام الأهلي.

 

إن استخدام المليشيات لتفتيت القبائل، وإشعال الصراعات الداخلية، وفرض قيادات مطيعة عبر العنف والابتزاز، لا يهدد فقط النسيج الاجتماعي لغرب كردفان، بل يمثل خطراً داهماً على وحدة السودان بأسره.

 

فما يجري اليوم في الفولة قد يبدو للبعض شأناً قبلياً محلياً، لكنه في الحقيقة يمثل الخط الدفاعي الأول عن السودان في مواجهة مخطط تفكيكه عبر صناعة الفتن المدروسة.

 

وعليه، فإن على الدولة والمجتمع المدني، بمختلف مكوناته، أن ينهضوا لمواجهة هذه المؤامرات بوعيٍ ويقظة، وأن يعيدوا الاعتبار للمصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة، فالوطن أكبر من أي نظارة، وأبقى من أي مليشيا.