إلى وزراء وقادة الحركات المسلحة: حان وقت العمل والانفتاح الوطنيعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز: علي منصور حسب الله

 

 

منذ توقيع اتفاق جوبا للسلام في أكتوبر 2020م دخلت الحركات المسلحة الموقعة عليه مرحلة جديدة في تاريخها السياسي، مرحلة تجاوزت فيها الخندق إلى المكتب، والسونكي إلى المسطرينة، والشكوى إلى المسؤولية. إنها مرحلة تتطلب من وزراء هذه الحركات في الحكومة الانتقالية وقادتها السياسيين من خارج الحكومة أن يثبتوا بالفعل لا بالقول أنهم ليسوا مجرد طلاب سلطة وأن من اتهمهم بذلك كان مخطئًا

الفرصة الآن تاريخية أمام وزراء الحركات المسلحة لإحراج كل من قلل من شأنهم أو زعم أنهم لا يحملون مشروعًا سياسيًا حقيقيًا ويمكنهم فعل ذلك من خلال تقديم نموذج جديد ومختلف في الأداء العام يتسم بالنزاهة والكفاءة والانفتاح وروح المبادرة والحضور الميداني والعمل على خدمة المواطن السوداني ككل لا فقط قواعدهم التنظيمية أو الجغرافية عليهم أن يُثبتوا أن السلطة في نظرهم ليست امتيازًا بل امتحانًا وأن كل يوم في الوزارة هو فرصة للإجابة على أسئلة محورية مثل هل هم شركاء حقيقيون في بناء الوطن؟ هل يمتلكون رؤية استراتيجية؟ هل يملكون الكفاءة الإدارية والسياسية؟ وهل يستطيعون كسب ثقة السودانيين بمختلف أطيافهم لا فقط أنصارهم في اقليمهم ؟ من الانتقادات الجوهرية التي وُجّهت لهذه الحركات والتي لا يمكن تجاهلها أنها انغلقت على نفسها تنظيميًا وسياسيًا واجتماعيًا ولم تنجح حتى الآن في بناء جسور حقيقية مع المجتمع السوداني الأوسع خاصة مع مكونات المركز والقوى المدنية والسياسية غير المسلحة

هذا الانغلاق إن استمر سيعيد إنتاج الصورة النمطية التي سعى خصومها لترسيخها منذ سنوات وهي أنها مجرد حركات إثنية أو جهوية تفتقر إلى مشروع وطني ولتفكيك هذه الصورة ينبغي أن تبادر هذه الحركات بالانفتاح الجاد على مجتمع دارفور بكل مكوناته والتحرك بخطاب جامع نحو المجتمع السوداني بأكمله مع ممارسات توحيدية وأعمال تطمينية تُخرجها من قوقعة التمثيل الجزئي إلى الأفق القومي ومن الجهوية الضيقة إلى رحاب الوطن الأوسع فمن كان ينتقدها بخفة من المركز كان يصفها بالجهوية بينما منتقدوها من دارفور يصفونها بالإثنية والمفارقة أن أبناء الإثنيات الذين يُظن أنهم قاعدتها الاجتماعية يشتكون من التجاهل بل حتى بعض كوادرها الداخلية يرون أنها لا تحترم إلا من حمل السلاح في الميدان بينما تُقصي الكفاءات المدنية والسياسية التي آثرت النضال بوسائل أخرى من الداخل وهنا تكمن أزمة التمثيل الضيق والتقوقع التنظيمي ما يهدد مستقبل هذه الحركات السياسي ويجعلها مهددة بالانكماش وربما التلاشي إن لم تغير نظرتها إلى الآخر

ولعل اتفاق جوبا رغم أهميته التاريخية لا يزال بحاجة إلى مراجعة وتطوير شامل سواء فيما يتعلق بالبُنود غير المنفذة أو تلك التي ثبت عدم واقعيتها أو من حيث غياب آليات الرقابة والتقييم والقياس. فالاتفاقات التي لا تتطور ولا تُخضع للمراجعة الدورية تظل جامدة سرعان ما تفقد روحها وتتحول من محفز للتقدم إلى عبء على أطرافها وهنا تعود المسؤولية إلى الحركات المسلحة مجددًا

هل تسعى إلى تطوير الاتفاق بما يخدم مصالح الوطن ككل؟ هل تتعامل معه كنقطة انطلاق لبناء دولة حديثة أم كغاية لتحقيق مكاسب محدودة؟ هل تسعى لتوسيع المشاركة في السلطة وفق مشروع سياسي جامع أم تبقى رهينة المحاصصة التي تُقسّم المقاعد كأن الوطن ملكية خاصة؟

إذا كانت هذه الحركات تُريد لنفسها مكانًا دائمًا في المشهد السياسي السوداني فإن الطريق لا يكون عبر التحصينات التنظيمية بل عبر الأداء الفعّال والانفتاح الحقيقي والتواصل المباشر مع الشارع السوداني وعليها أن تغلق الأبواب التي تسربت منها رياح النقد اللاذع وفي مقدمتها غياب الشفافية وضعف الأداء التنفيذي والانكفاء الخطابي وعدم تقديم نموذج يختلف عما انتقدوه في الأنظمة المركزية السابقة

لقد آن الأوان لهذه الحركات أن تنتقل من وضع القوة التي كانت على هامش الدولة إلى موقع الفاعل الأساسي في إعادة بناء الدولة لا فقط في مناطق الحرب والنزاع بل في كل السودان وهذا التحول لا يبدأ من تغيير الشعارات بل من تحول داخلي في الوعي السياسي وتبنٍ لرؤية إصلاحية شاملة لا وقتية ولا انتقامية بل تؤسس لعقد اجتماعي جديد

في الختام مسؤولية وزراء الحركات المسلحة تتجاوز إدارة الحقائب الوزارية إلى مسؤولية إعادة تعريف مسار سياسي بأكمله فإما أن يُثبتوا أنهم رجال دولة حقيقيون أو يثبتوا صحة تشكيك خصومهم فيهم إن السودان يعيش لحظة مفصلية في تاريخه ولا وقت للتجريب أو التسويات الهشة فالتاريخ لا ينتظر المترددين والوطن لن يُبنى الأمنيات بل بالإرادة والانفتاح والعمل الجاد