ضل الحراز
بقلم علي منصور حسب الله
منذ اللحظة التي أعلنت فيها مليشيا الدعم السريع القبض على المجرم الفاتح عبد الله إدريس المعروف بـ أبو لولو وقدّمت الحدث على أنه دليل على التزامها المزعوم بالعدالة ظلّت أبواقها الإعلامية تروّج لذلك كإنجاز أخلاقي يُثبت صدق نوايا قادتها لكن السودانيين لم يتفاجأوا بل ازدادوا يقينًا بأن هذه المليشيا لا تحاكم القتلة بل تحاكم ظلالهم فالمسرحية التي صُوّرت على عجل لتبرئة الذات لم تكن سوى محاولة بائسة لتجميل وجهٍ مشوَّه وغسل يدٍ غارقةٍ في الدم منذ بداية الحرب… يدٍ تقتل وتضحك تبث جرائمها على الهواء مباشرة دون خوفٍ من حساب أو خشيةٍ من عقاب تلك المسرحية لم تكن سوى طلاء زائف فوق واقعٍ أكثر قبحاً كمن يضع المساحيق لإخفاء الهالات والبثور والندوب دون أن يدرك أن القبح الحقيقي لا يُخفى فهي زينة كاذبة تحاول أن تكسو الجريمة بثوب البراءة يتقن أصحابها فنّ التمثيل لا ليرتقوا بالذوق أو الفكر بل ليمسحوا آثار جرائمهم ويُظهروا أنفسهم في هيئة الأنقياء بينما خلف الكواليس تتوارى وجوههم الحقيقية الملطخة بالدم وأياديهم التي تقطر من جدار الإنسانية دماء الأبرياء فالمدعو (أبو لولو) لم يكن مجهولاً للسودانيين فقد انتشرت صوره ومقاطع جرائمه منذ شهور طويلة موثّقة بصوته وفعله يُظهر فيها نفسه وهو يُصفّي مواطنين عزّل جلّهم من النساء والأطفال والمواطنين ارتكب جرائم مروّعة في مصفاة الجيلي وقتل المواطن أحمد قندول في الفاشر ثم تباهى لاحقاً بجرائمه عبر منصات التواصل الاجتماعي مؤكداً أنه سيواصل القتل (بلا رحمة) وخلال ذلك كان بعض عناصر المليشيا ومنهم عبد المنعم الربيع يشجعونه علناً بينما كان آخرون يطالبونه بمواصلة القتل فقط (دون تصوير) وكأن الجريمة تُصبح أقل بشاعة إن خلت من الصورة ! فهل يمكن بعد هذا المشهد الموثّق أن يصدّق أحد أن القبض عليه خطوة نحو العدالة؟أين أولئك الذين ضحكوا وهو يقتل؟ أين المصوّر الذي وثّق جريمته؟ وأين القيادات التي سمحت له بالبقاء حرّاً يتباهى بجرائمه أمام العالم؟ إنها ليست تصرفات فردية كما تزعم المليشيا بل سلوك ممنهج يجد الحماية من أعلى مستويات القيادة فيها وجرائم هذه المليشيا لا تقف عند (أبو لولو) بل تمتد كسلسلةٍ طويلةٍ من الدم والمأساة في مجازر متكرّرة وموثّقة تُظهر نمطاً واضحاً من استهداف المدنيين على أساس الهوية أو الانتماء الجغرافي أو العِرقي وهو ما يصنّفه القانون الدولي بوضوح كـ(جريمة حرب) في منطقة القيعة بالصالحة جنوب أم درمان ارتكب عناصرها مذبحةً مروّعة راح ضحيتها واحدٌ وثلاثون مواطناً بينهم أطفال بعد أن اقتادوهم من منازلهم وأعدموهم بدمٍ بارد في مشهدٍ يُختصر فيه انهيار كل معاني الإنسانية وفي قرية السريحة بولاية الجزيرة تكرّر المشهد ذاته لكن على نطاقٍ أوسع إذ قُتل أكثر من 140 شخصاً وجُرح أكثر من 200 آخرين في هجومٍ جماعي نفّذته مليشيا الدعم السريع في 25 أكتوبر الماضي غدت القرية ساحةً للدم والنار تُنذر بأن القتل بات مشروعاً وأن الضحايا مجرّد أرقام في سجلٍّ بلا ضمير أما مجزرة تمبول فكانت أكثر فظاعة وبشاعة إذ استهدفت المليشيا أبناء قبيلة الشكرية انتقاماً من القائد المنشق أبو عاقلة محمد أحمد كيكل لتتحول القرية إلى مسرحٍ للقتل الجماعي على الهوية حيث اختلطت الأرض برائحة البارود والدماء وفي قرى برانكو وود الفضل حوصِر المدنيون النازحون ومنع إخراج النساء والأطفال في انتهاكٍ صارخٍ لكل القيم الإنسانية والدينية ليبقى أنين الأطفال صدىً يعجز عن الوصول إلى آذان العالم الصامت وفي معسكر زمزم للنازحين بولاية شمال دارفور شنّت مليشيا الدعم السريع هجوماً برياً مباشراً ووحشياً على المخيم ما أسفر عن مئات القتلى والجرحى غالبيتهم من النساء والأطفال وقد شهد المخيم تدميراً واسعاً إذ حُرق السوق المركزي ودُمّرت محطات المياه وتعرّضت ممتلكات النازحين للنهب المنظّم كما حُرموا من المساعدات الإنسانية بعد تعليق توزيعها بسبب تدهور الأمن في حين احتُجزت القوافل الغذائية ومنعت من الوصول إلى المحتاجين ولم يكن معسكر أبو شوك القريب من مدينة الفاشر بشمال دارفور أفضل حالاً فقد تعرّض هو الآخر لقصفٍ مدفعيٍ عشوائي من قبل مليشيا الدعم السريع ما أدى إلى مقتل نساء وأطفال وإصابة آخرين كما وثّقت منظمات وشهود حالات اغتصاب جماعي لنزيلات المخيم في مشاهد تهزّ الضمير الإنساني وتفضح زيف الشعارات التي تتحدث عن العدالة أما معسكرات الحصاحيصا وكسّاب وكردينك في زالنجي بولاية وسط دارفور ومدينة الجنينة بولاية غرب دارفور فقد كانت مسرحاً آخر للدم والعذاب في معسكر الحصاحيصا وحده قُتل العشرات ووقعت أكثر من 24 حالة اغتصاب فضلاً عن اعتقالات جماعية لنازحين في زالنجي والجنينة قرب المعسكرات واستهداف مباشر لمخيمات المدنيين الهاربين من الموت بينما أدّى انتشار مليشيا الدعم السريع بكثافة في المدينتين إلى ارتكاب انتهاكاتٍ أمنية وإنسانية واسعة لا حصر لها تلك الجرائم لم تكن طارئةً ولا عشوائية بل نهجاً ممنهجاً تسير عليه المليشيا بخطى ثابتة كأنها تستمدّ وجودها من الفوضى والدماء وتعيش على رائحة الخراب وتُعد مجزرة ود النورة في ولاية الجزيرة (5 يونيو 2024م) واحدة من أكثر الجرائم بشاعةً في الحرب الحالية فقد هاجمت مليشيا الدعم السريع القرية مرتين متتاليتين وقتلت في ساعاتٍ معدودة ما لا يقل عن مئة مدني كان بينهم الصحفي مكاوي محمد أحمد من وكالة السودان للأنباء قبل أن يرتفع عدد القتلى لاحقاً إلى نحو مئتي شخص وأظهرت مقاطع الفيديو التي وثّقت المأساة مشاهد دفنٍ جماعي في الساحات العامة كأن الأرض قد ضاقت بأجساد الأبرياء ووفق تحقيقٍ أجرته شبكة BBC تبيّن أن الهجوم استهدف مناطق مدنية بالكامل وأن ما زعمته المليشيا عن وجود خنادق للمقاتلين لم يكن سوى ذريعة زائفة إذ ثبت أن تلك الخنادق تقع خارج القرية تماماً لم يكن الهدف عسكرياً بل كان الإنسان نفسه الذي صار هدفاً لمجرد انتمائه أو موقعه الجغرافي أو عرقه ولم تتوقف المجازر عند هذا الحد إذ واصلت مليشيا الدعم السريع ارتكاب فظائع أخرى في شرق الجزيرة وشمالها حيث قُتل ما لا يقل عن 1237 شخصاً منذ 20 أكتوبر الماضي في إطار عمليات تهجيرٍ قسريٍّ استهدفت أكثر من 400 قرية كما شنّت المليشيا هجوماً على قرية اللعوتة شمالي الولاية وسقط على إثره 20 مدنياً قتيلاً بعد أن اقتحمت القرية بعربتين قتاليتين وأكثر من 100 دراجة نارية فقتل عشرة من مواطنيها في لحظات وتُعرّف على ثمانية من الجثامين فيما بلغ عدد القتلى الكلي عشرين وتفرّقت أسرٌ بأكملها نحو بلدة (ألتي) الواقعة على بُعد سبعة كيلومترات شرقي اللعوتة وقد مثّلت قرية اللعوتة الحجاج خلال الأشهر الماضية ملاذاً آمناً لعشرات النازحين من قرى ود لميد والعديد والشقايق عرب وود بسري والغابة والمسيد ود عيسى لكن حتى هذا الملاذ لم يسلم من يد المليشيا وفي طريق الهروب الجماعي توفي 23 شخصاً بالكوليرا وسط الفارين من قرى شرق الجزيرة إلى محلية شندي بولاية نهر النيل بسبب نقصٍ حادٍ في المعينات الطبية والأَسِرّة بمستشفى المدينة العام فيما استقبل مستشفى شندي عشرات المصابين في ظروفٍ مأساوية تعجز الكلمات عن وصفها
بلغ عدد النازحين من ولاية الجزيرة بين 20 أكتوبر و13 نوفمبر نحو 343 ألفاً و473 شخصاًه أي ما يعادل 68 ألفاً و801 أسرة فرّوا من مواقع مختلفة نحو ولايات كسلا والقضارف شرقاً ونهر النيل شمالاً بعد أن أصبح الأمن حلماً بعيد المنال نزح مواطنو الجزيرة من مناطق عدة بينها تمبول ورفاعة والجنيد إضافة إلى أكثر من 20 قرية في الشرق وامتدت موجات النزوح إلى 38 محلية في سبع ولايات مختلفة ومن بين أولئك النازحين كان 15,129 فرداً غادروا مناطقهم بالفعل بعد انشقاق القائد بالدعم السريع أبو عاقلة كيكل وانضمامه إلى الجيش لتبدأ إثر ذلك الهجمات الانتقامية العشوائية ضد المدنيين والتي خلفت في الفترة ما بين 20 و30 أكتوبر 2024 نحو 135,405 نازحين تلتها موجة ثانية في الفترة من 30 أكتوبر إلى 13 نوفمبر 2024 حيث هجّرت المليشيا قسراً 208,068 شخصاً إضافياً من شرق الجزيرة.
وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية تم رصد 152 حالة اغتصاب في الجزيرة وحدها في مشهدٍ يختصر انهيار كل ما تبقّى من الضمير الإنساني وكشف مؤتمر الجزيرة وهو كيانٌ مدنيٌّ مستقل عن مقتل خمسة آلاف مدني بولاية الجزيرة منذ أن سيطرت المليشيا على الولاية في ديسمبر 2023 وحتى نوفمبر 2024 مؤكداً أن الانتهاكات شملت اختطاف نساء وعمليات إغراقٍ متعمّدة للقرى عبر فتح خزانات المياه والجداول خصوصاً في منطقتي الزناندة جبارة والزناندة فضل السيد جنوبي الولاية وقد اضطر السكان هناك إلى الفرار بعد أن اتُّهموا بالوقوف إلى جانب الجيش السوداني فكان العقاب جماعياً والانتقام شاملاً ورغم كل هذه الأدلة لم يُعتقل أيٌّ من مرتكبي هذه المجازر ولم يُفتح تحقيقٌ جاد مما يؤكد أن القيادة نفسها متورطةٌ وموافقةٌ ضمنياً على تلك الانتهاكات وفي شمال دارفور ولا سيما حول مدينة الفاشر ارتكبت المليشيا سلسلةً من عمليات الحرق والتهجير القسري الممنهجة حيث أُحرقت عشرات القرى مثل بريدك وأمراي وبعاشيم وبئر مزة وبقر ومتي وأبوعاشوا مما أجبر أكثر من عشرين ألف مواطن على النزوح نحو تشاد في ظروفٍ إنسانيةٍ قاسية وفي سلومة شمال معسكر زمزم تكررت المشاهد ذاتها قرى محترقة نساء وأطفال يفرّون حفاةً وبقايا منازل التهمتها النيران وكأن الأرض تعيد سرد الحكاية نفسها كل يومٍ بلونٍ جديدٍ من الدم
وفي أكتوبر الماضي وحده أحرقت المليشيا أكثر من 45 قرية شمال غربي الفاشر في تكرارٍ مأساوي لسياسة (الأرض المحروقة) وكأن الهدف ليس النصر العسكري بل تفكيك المجتمع على أسسٍ قبليةٍ وإثنية فمليشيا الدعم السريع لم يعد كياناً عسكرياً بالمعنى التقليدي بل تحوّل إلى أداةٍ جهويةٍ تفتقر إلى أي مشروعٍ وطني وتتبنى أجندةً قائمة على العقاب الجماعي والهيمنة القبلية وإذ تزعم أنها تحارب من أجل (الديمقراطية والعدالة) فإن الواقع على الأرض يقول بوضوح إنها تسعى لتأسيس دولة مليشياوية يحكمها الرعب لا القانون وما يزيد الجرح عمقاً أن جميع مرتكبي هذه الجرائم ما زالوا أحراراً بل يواصلون نشاطهم تحت راية القيادة ذاتها دون محاسبةٍ أو مساءلة لم يُقدَّم أحدٌ منهم لمحاكمةٍ حقيقية ولم تُصدر القيادة أي إدانةٍ جادة أو قرارٍ بالفصل أو العقوبة إن صمت القيادة بل وتسويقها لمسرحياتٍ هزيلة مثل (اعتقال أبو لولو) ليس سوى دليلٍ جديدٍ على أن الجريمة سياسةٌ ممنهجة لا خطأٌ فردي فعندما تصبح المليشيا خصماً وحكماً في آنٍ واحد وتتحوّل العدالة إلى أداةٍ دعائية يغدو الدم رخيصاً وتفقد القوانين معناها لكن دماء الضحايا ليست أرقاماً تُطوى في التقارير بل أصواتٌ خالدة تطالب بالقصاص والمحاسبة وتذكّر الجميع بأن التاريخ لا يرحم من تستّر على الحقيقة فالشعوب مهما طال ليلها تعرف دائماً كيف تستردّ فجر العدالة
آخر الضل
إن معركة الوعي لا تقلّ أهمية عن معركة الميدان فـ فضح الجريمة هو أول الطريق نحو العدالة

