الصحفية رشان بين المبدأ ومواجهة أعداء النجاح علي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

 

 

أكتب عن الزميلة الفاضلة الصحفية رشان أوشي عن معرفةٍ لا تشوبها شبهة وعن زمالة امتدت لأكثر من عقدٍ من الزمان عرفتُها عن قرب لا من خلال السمع ولا عبر ما يُشاع في منصات التواصل بل من خلال العمل اليومي والاحتكاك المهني والمواقف التي لا تختبئ فيها المعادن النفيسة عملنا معًا في صحيفة الحرة ثم انتقلنا سويًا مع الأستاذ بكري المدني إلى صحيفة الوطن في مرحلةٍ كانت بالنسبة لي عودة إلى دارٍ قديمة عملتُ فيها سابقًا في عهد الراحل المقيم سيد أحمد خليفة وتحت إشراف الأستاذ أحمد الشريف وفي تلك المسيرة كانت رشان كما عرفتها دائمًا واضحة صلبة ومتصالحة مع نفسها رشان ليست لم تنمو بروز أي بل هي ابنة رجلٍ عرف السياسة من بوابة القيم وعرف الخدمة المدنية باعتبارها أمانة لا مغنمًا فغرس في أبنائه حب الوطن والوضوح والشجاعة في المواجهة وهي أيضًا ابنة مربية فاضلة كرّست عمرها لتنشئة الأجيال على الانتماء والمسؤولية وتدرجت في سلك التعليم حتى أصبحت مديرة فكان طبيعيًا أن يخرج من هذا البيت أبناء وبنات يحملون المبدأ لا كشعار بل كأسلوب حياة رشان حين كانت تزور نيالا لم تكن تمرّ بي مرور العابرين كانت تزور أسرتي فصارت مقربة لهم وكثيراً ما تسألني الدكتورة حرمنا عنها ضم عدد من الزميلات منهن الروائية أميمة عبدالله رشان طول عهدي بها لم تنادني يومًا باسمي مجردًا بل كانت تُلحقه دائمًا بكلمة (السلطان) في لفتةٍ إنسانية صغيرة لكنها كاشفة عن معدنٍ يعرف الوفاء ويحترم الود ولا يتعامل مع الناس وفق تقلبات المصالح خلال أيام الهياج الثوري حين كانت بعض الأصوات لا تجد وسيلة للتعبير سوى الصراخ ولا خطابًا سوى (بل بس) و(يصرخون) كانت رشان استثناءً نادرًا كانت وربما الوحيدة بين كثيرين التي رفضت ذلك الأسلوب ورفضت أن تتحول الثورة من فعل أخلاقي إلى حالة انتقامية لا ضابط لها ولا بوصلة وحين ظهرت لجنة إزالة التمكين بممارساتٍ أعادت إلى الأذهان أبشع فصول التاريخ مما شبهتها بـ محاكم التفتيش الأوروبية لم يكن ضربًا من المبالغة تلك المحاكم سيئة الذكر التي بدأت باسم (التطهير) وانتهت بظلمٍ شامل طال المسلمين واليهود معًا وحُرقت فيها الكتب وطُمست المعالم وأُكره الناس على تغيير عقائدهم ومن رفض نال نصيبه من التعذيب والتنكيل على أيدي طغاة لا يعرفون معنى الإنسانية ولا العدالة للأسف لم تكن ممارسات لجنة إزالة التمكين بعيدة عن هذا النموذج في كثير من تجلياتها قلةٌ فقط امتلكت الشجاعة لتقول هذا ظلم وكانت الأستاذة رشان أوشي في مقدمة هؤلاء رغم أنه لا أحد يستطيع أن يزايد عليها في انتمائها للثورة أو إيمانها بالتغيير لكنها كانت وستظل ابنة بيتٍ يعرف القيم فرفضت الظلم أيًّا كان مصدره ومن أيّ شخص مهما علا موقعه وعندما اندلعت حرب (15) أبريل لم تتردد رشان كانت في طليعة الذين انحازوا للوطن ووقفت موقفًا واضحا ليس موقف رمادي كما بدأ الكثيرين حتى اتضحت الرؤية وعرفوا أن الغلبة للجيش الوطني لكن رشان لم تنتظر انقشاع غبار المعركة فقالت بكل شجاعة ألف لا في وجه الجنجويد ومن شايعهم من هنا نفهم عداء أبواق المليشيا لها ونفهم كذلك خصومة أدعياء الثورة الذين اختاروا الاصطفاف في الضفة الخطأ من التاريخ

لكن ما لا يمكن فهمه ولا تبريره هو أن تتعرض للمحاربة من داخل الصف الوطني نفسه لا لشيء سوى لأنها ظلت تقول (لا) للفساد ولأن رشان حين تؤمن بقضية لا يمكن ترويضها ولا شراؤها وهنا بدأ الحفر الرخيص ومحاولات الإيقاع بها للأسف الشديد فقد اختلقوا رواية تعرضها للضرب من مسؤول كبير وهذا ما نفته الأستاذة رشان لما تداوله البعض فالحقيقة الأوضح أن ما نشر ليس سوى محاولة اغتيال شخصية وهي واحدة من أخطر وأقذر الأساليب حين تعجز الخصومة عن المواجهة الشريفة نعم الإشاعات آفة عظيمة وبليّة خطيرة ومرض فتاك لكنها حين تُختلق عمدًا وتُنشر بسبق إصرار تصبح سلاحًا جبانًا وكما أشار الباحث (جان نويل كابفيرير) في كتابه الشهير (الشائعات.. الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم) فإن الشائعة ليست مجرد خبر كاذب بل أداة لتدمير المجتمعات وتشويه السمعة وزلزلة الأمن السياسي والاجتماعي

اليوم ومع سطوة منصات التواصل الاجتماعي لم تعد الشائعة مجرد ظاهرة بل باتت واقعًا موازيًا قادرًا على تحطيم أشخاص وكيانات في ساعات قليلة عبر صورة مفبركة أو معلومة مختلقة أو خبر لا أصل له وكما قال مارك توين بمرارةٍ لافتة (يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض بينما لا تزال الحقيقة تبحث عن حذائها) ما تتعرض له الأستاذة رشان أوشي ليس حالة فردية بل نموذج لاستهداف الوطنيين الصادقين أولئك الذين لا يساومون ولا يبدّلون مواقفهم بتبدل الرياح ولهذا فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق القوانين أو التشريعات بل على وعي المجتمع وقدرته على التمييز وعلى رفض أن يكون شريكًا ولو بالصمت في جريمة أخلاقية اسمها تدمير السمعة رشان أوشي ستظل رغم كل شيء صوتًا حرًا وضميرًا مهنيًا وشاهدًا على أن المبدأ قد يكون مكلفًا لكنه في النهاية هو الشيء الوحيد الذي يستحق أن ندفع ثمنه

 

 

آخر الضل

 

 

امضي يا رشان في طريقك ولا تلتفتي فأنتِ امرأةٌ بألف رجل حين يتراجع الكثيرون تتقدمين وحين يساومون تختارين المبدأ وحين يختبئ الخوف خلف الشعارات تقفين صامدة من أجل نصرة الحقيقة امضي لأن الطريق وإن كان وعرًا فهو طريق الشرفاء وامضي لأن الوطن لا يحفظ أسماء الصامتين بل يخلّد الذين قالوا (لا) حين كان قولها ثمنه باهظًا أنتِ امرأة لا تُقاس بالعدد بل بالموقف ولا تُعرَف بالضجيج بل بثبات الخطى ووضوح الرؤية فامضى ففي كل خطوة لكِ هزيمةٌ للزيف وفي كل موقف انتصارٌ للحقيقة وفي حضورك تذكيرٌ دائم بأن هذا الوطن لا يزال بخير ما دام فيه من يشبهك