جهاز المخابرات العامة… بين محاولات التحجيم ودوره الحاسم في الحربعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

بقلم: علي منصور حسب الله

 

كان من بين أبرز مطالب قادة قوى الحرية والتغيير عقب الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير أن يتم تحويل جهاز الأمن والمخابرات العامة إلى جهاز يختص فقط بجمع المعلومات وتحليلها دون أي صلاحيات تنفيذية وبموجب ذلك تم إلغاء عدد من المواد المنظمة لعمل الجهاز وأُعلن حلّ هيئة العمليات التابعة له وتسليم جميع مقراتها وأصولها إلى قوات الدعم السريع هذا القرار عمليًا أدى إلى قصقصة أجنحة الجهاز من جهة وفي المقابل زيادة قوة الدعم السريع من جهة أخرى وهو ما ترك فراغًا أمنيًا واستراتيجيًا كبيرًا ألقت تداعياته بظلالها لاحقًا على المشهد السياسي والعسكري في السودان.

وفي عام 2021 أصدر رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان قرارًا بتعيين الفريق أمن أحمد إبراهيم مفضل مديرًا لجهاز المخابرات العامة في ظرف بالغ التعقيد حيث كان الجهاز بفعل الاستهداف السياسي المباشر قد تحوّل إلى جسم محدود السلطات لا يستطيع اتخاذ أي خطوة تنفيذية حتى في المواقف التي قد تهدد الدولة بالخطر وبحسب كثير من المراقبين كان الهدف من هذا التفكيك هو إضعاف مؤسسات القوة الوطنية وخلق بيئة رخوة قد تُسهِم في تفجير الأوضاع وتهيئة المسرح لصراعات داخلية

ورغم هذه الظروف تمكن الفريق مفضل ورفاقه من إعادة توجيه الجهاز ليكون عَونًا لمؤسسات الدولة فظل يعمل على إسناد الجهود الدبلوماسية وحماية مصالح السودان الخارجية وكشف العديد من المؤامرات والمخططات التي كانت تُدار للاستهداف الأمني والسياسي للدولة وعندما اندلعت الحرب في أبريل 2023، برز الدور الحقيقي للجهاز فقد لعب الفريق مفضل وطاقمه أدوارًا محورية ساهمت في منع انهيار مؤسسات الدولة وإحباط عدد من العمليات الحساسة التي كانت تستهدف بنية السودان من الداخل ولا يدرك المتابع العادي بطبيعة الحال ما يجري خلف خطوط القتال من عمليات أمنية معقدة يدفع ثمنها أفراد يعملون في صمت بعضهم استشهد وهو يجمع خيوط المعلومات التي تُبنى عليها القرارات المصيرية وخلال الحرب تحولت وظيفة المخابرات من مجرد جمع للمعلومات إلى دور أعمق يتمثل في تحقيق الأمن والاستقرار عبر تحليل الوقائع وتوقع سيناريوهات المستقبل وتقديم مشورة استراتيجية للقيادة حول المخاطر المحتملة.

فقد نشطت وحداته خلال هذه الفترة بنشاط بطولي استثنائي وتحرك فرسان الجهاز في ظروف بالغة الخطورة يعملون في بيئة حرب مفتوحة تتطلب يقظة دائمة وقدرة عالية على إدارة المعلومات الحساسة.

وبالرغم من تقليص صلاحيات الجهاز وتفكيك هيئة العمليات أثبتت الحرب الحاجة الماسّة إلى جهاز مخابرات قوي وفعّال يتمتع بالمرونة والقدرة على صناعة المعلومة لا مجرد استقبالها لقد كشفت الحرب أن وجود جهاز مخابرات محترف ليس رفاهية بل ضرورة أمنية لوحدة البلاد

فوسط تعدد الجبهات وتشابك القوى الإقليمية والدولية صار الجهاز واحدًا من أهم المؤسسات التي ساهمت في استشراف الأحداث قبل وقوعها وقراءة نوايا الخصوم وتقدير المخاطر وحماية الجبهة الداخلية من الانهيار وعودة شباب هيئة العمليات للقتال من أجل بلادهم رغم مرارة حل هيئتهم، وتقديم المشورة التي حالت دون قرارات كارثية وبالرغم من وجود جهات في الداخل والخارج سعت إلى تحييد الجهاز أو إضعافه إلا أنّ دوره ظل محوريًا وأثبت أن الأمن الوطني لا يمكن تركه نهبًا للتجاذبات السياسية ولا لحسابات التكتيك قصير المدى إن ما جرى خلال الأعوام الماضية يفتح الباب واسعًا لمراجعة شاملة لمسار إصلاح القطاع الأمني في السودان بعيدًا عن منطق الهدم والانتقام وبعيدًا عن التسييس فالدول لا تُبنى بتقويض مؤسساتها بل بتقويتها وضبط أدائها واحترام القانون وإذا كانت الحرب قد كشفت هشاشة بعض البُنى فإنها في المقابل أكدت أن جهاز المخابرات العامة رغم كل ما واجهه ظل أحد الأعمدة التي حافظت على بقاء الدولة ومنعت انزلاقها إلى الفوضى الكاملة إن مستقبل السودان لا يمكن أن يُكتب دون جهاز استخبارات مهني قوي وفاعل… جهاز يزرع الاستقرار في جسد الوطن ويعمل بعقل الدولة لا بعاطفة السياسة ومن يحافظ على كل ذلك هو الفريق مفضل ورفاقه