أوكرانيا تنفي تورطها في (مليشيا الدعم السريع)… تبرير أم إنكار لا مبرر له؟علي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

لقد جاء رفضُ فلاديسلاف رودنيك السكرتير الثاني في السفارة الأوكرانية بالقاهرة للاتهامات التي وجهتها الحكومة السودانية والقوات المشتركة بشأن مشاركة مرتزقة أوكرانيين في صفوف مليشيا الدعم السريع بوصفه أول رد رسمي من كييف على هذا الملف شديد الحساسية وقد وصف رودنيك تلك الاتهامات بأنها (مجرد بروباغندا) زاعمًا أن وجود الأوكرانيين في السودان يقتصر على العمل الإنساني والتجاري وأنه لا وجود لعسكريين من بلاده يقاتلون إلى جانب المليشيا لكن هذه الرواية على الرغم من أنها قد تبدو مُريحة من منظور دبلوماسي تثير جملة من الشكوك العميقة لا سيما حين نضعها في سياق التقارير والتحليلات الصادرة من خبراء سودانيين ومتابعين للشأن الإقليمي فالنفي الأوكراني يبدو متعجّلًا ويحمل في طياته الكثير من التساؤلات ويدّعي رودنيك أن المرتزقة الموجودين مع المليشيا (من كولومبيا وجنوب السودان وتشاد فقط) وهو اعتراف ضمني بوجود مرتزقة لكنه إنكار قاطع لأي وجود أوكراني غير أنّ تصريحات العقيد الراحل أحمد حسين الناطق باسم القوة المشتركة سابقًا أكدت وجود مرتزقة أوكرانيين يعملون ضمن وحدات الدعم السريع كخبراء في مجال المدفعية والطائرات المسيّرة وهي رواية تتسق مع ما ذكره شهود وناجون من معارك الفاشر وغيرها حيث تم أسر أفراد يحملون الجنسية الأوكرانية وإذا صحّت هذه المعلومات فإنها لا تُعدّ مجرد مشاركة فردية لمرتزقة بل انخراطًا نوعيًا في عمليات ذات طبيعة تقنية عالية الأمر الذي يصعب عزله عن المعرفة العسكرية الرسمية أو على الأقل غضّ الطرف من قبل جهات أمنية في كييف ويشير عدد من المحللين إلى أن أوكرانيا متورطة أكثر مما ترغب في الاعتراف به الباحث السوداني محمد عبد الغني وصف العلاقة بأنها (شراكة دم) مستندًا إلى تقارير ميدانية تؤكد استخدام الدعم السريع تقنيات قتالية مرتبطة بطبيعة التدريب الأوكراني كما كشفت مصادر من مركز الدراسات الأوكراني (مستقبل الاستراتيجية) أن الاستخبارات الأوكرانية طلبت دعمًا فرنسيًا بعد (فشل) في تقديم المساندة الكافية للمليشيا وهو ما يعزز فرضية وجود دور أوكراني ميداني قد يكون خارج الإطار العسكري الرسمي لكنه بالتأكيد ليس بريئًا

النفي الأوكراني هنا ليس مجرد بيان دبلوماسي بل محاولة لاحتواء أزمة قد تجر كييف إلى مربع قانوني وسياسي معقد خصوصًا في ظل حربها مع روسيا ورغبتها في الحفاظ على صورتها كدولة ضحية لا كدولة متورطة في دعم مليشيات خارجية حديث رودنيك عن أن الأوكرانيين في السودان (عاملون إنسانيون ورجال أعمال وأفراد عاديون فقط) يثير تساؤلات منطقية من هم رجال الأعمال الذين يأتون إلى بلد يعيش حربًا؟ السودان اليوم غير جاذب للاستثمار الأجنبي بل حتى المنظمات الإنسانية تعمل في بيئة خطرة وكثير منها متورطة في الدم السوداني وحتى دولة الإمارات تتدخل في الشأن السوداني تحت ذريعة العمل الانساني

فكيف يتواجد (أفراد عاديون) في مناطق نزاع مسلح؟ حتى المنظمات الدولية الكبيرة لا تتحرك دون حماية أمنية مكثفة فكيف بأفراد عاديين قادمين من دولة بعيدة؟

والعمل الإنساني ذريعة مكررة الإمارات نفسها تدعم الدعم السريع تحت غطاء (المساعدات الإنسانية) وعدد من المنظمات التي تعمل تحت هذا العنوان ثبت تورطها في دعم لوجستي مباشر للمليشيا

إذن فإن الحديث عن (أفراد عاديين) لا يصمد أمام الواقع خاصة مع ظهور مقاطع الأسر وتصريحات الجهات الرسمية السودانية ولا يمكن فصل حضور أوكرانيا المحتمل عن صراع النفوذ في أفريقيا فمن المعلوم أن: أوكرانيا تسعى إلى مواجهة الحضور الروسي المتنامي في القارة

والسودان بموقعه الجيوسياسي يمثل نقطة تماس بين قوى إقليمية ودولية متنافسة

والدعم السريع نسج سابقًا علاقات متعددة مع أطراف أوروبية وشرق أوسطية ما قد يجعلها منصة لعمليات غير معلنة

أوكرانيا بالفعل تقدم دعماً تقنيًا أو استخباراتيًا للمليشيا مما جعلها طرفًا مباشر في حرب إقليمية متشابكة وقد تحصد تبعات ذلك في المستقبل

فالدعم الأوكراني ثابت سواء كان رسميًا أو عبر مرتزقة وذلك يحمل تبعات خطيرة تعزيز القدرات الهجومية للمليشيا بما يطيل أمد الحرب وإدخال النزاع السوداني في دائرة صراعات القوى الدولية ما يعقد فرص التسوية

مما يقود إلى تحويل أوكرانيا إلى دولة راعية للإرهاب بحسب القانون الدولي إذا ثبت دعمها لمليشيا متمردة ترتكب جرائم ضد المدنيين إنّ رفض فلاديسلاف رودنيك لا يمكن اعتباره مجرد توضيح بل هو محاولة سياسية لحماية صورة بلاده لكن النفي وحده لم يعد كافيًا خاصة مع وجود أسرى أوكرانيين وتصاعد الأدلة الميدانية وعلى الحكومة السودانية إن كانت جادة أن تكشف ما لديها من وثائق ومقاطع وشهادات حتى لا يظل الأمر مجرد تبادل اتهامات بل يصبح بابًا للمساءلة والمعالجة

الموقف الأوكراني اليوم يقف على حافة مفترق طرق إما الاعتراف الجزئي بما حدث أو الاستمرار في الإنكار الذي قد يتحول لاحقًا إلى وصمة استراتيجية يصعب محوها