حين يضرب الارتداد السياسي… محمد كاكا وامتحان السماء المفتوحعلي منصور حسب الله - صحفي وكاتب

ضل الحراز

 

 

 

 

بقلم علي منصور حسب الله

 

هناك لحظات في التاريخ تبدو وكأنها ليست مجرد تطوّر سياسي بل محكمة مفتوحة للقدر وهذا بالضبط ما يظهر في المشهد التشادي اليوم رئيسٌ راهن على النار خارج حدوده فإذا بهذه النار تتقد تحت قدميه وتعيد تشكيل المشهد داخل بلاده بعنف غير مسبوق محمد إدريس ديبي المعروف بـ محمد كاكا اختار منذ اشتعال الحريق في السودان أن يدخل لعبة الكبار في الإقليم من بابٍ خاطئ بوابة دعم المليشيا السودانية ظنّ أنه سينال من ذلك موقعًا متقدمًا في التوازنات الإقليمية وأنه سيحكم قبضته على السلطة من خلال الاستثمار في الحرب المجاورة لكن ما ظنه خطوة تكتيكية ذكية تكشّف اليوم عن خطيئة سياسية مكلفة فحين فُتحت الحدود أمام المليشيا السودانية وحصلت على الممرات والوقود والسلاح والرعاية السياسية بدا الأمر للكثيرين في تشاد وكأنه تحالف يضمن نفوذًا إضافيًا للرئيس

غير أن ميزة الحروب أنها لا تحترم حسابات اللاعبين الصغار ولا تحمي من يتعامل معها بمنطق (الصفقة) فقد تغيّر مسار الحرب في السودان وتغيّرت معه كل الحسابات التي بنى عليها كاكا رهاناته فالضغط الدولي على تشاد تضاعف ومراكز النفوذ داخل نجامينا نفسها بدأت تتصدّع وحتى داخل الجيش ظهرت أصوات لا تخفي استياءها من تورّط البلاد في حرب ليست حربها لقد تحوّل ملف السودان من ورقة رابحة في يد كاكا إلى عبء يضغط على شرعيته السياسية والأمنية في الداخل فمن كان يتوقع تحالف عشر حركات في صف واحد؟

في مشهد غير مسبوق لم يكن أحد يتوقع أن يجتمع هذا العدد الكبير من الحركات التشادية تحت راية واحدة عشر حركات مسلّحة من خلفيات مختلفة بعضها لم يجمعه شيء يومًا إلا التناقض ها هي تتوحد في خندق واحد ضد حكم محمد كاكا ففي منطق السياسة هذا الحدث أكبر من مجرد تحالف عسكري إنه إعلان واضح بأن الساحة التشادية وصلت مرحلة لا يمكن للسلطة تجاهلها

وفي منطق التاريخ يبدو الأمر أقرب إلى استجابة سماوية متأخرة فمن يفتح بلاده ليكون جسراً لفتنة الجيران سيجد أن أبواب الاستقرار في بلاده تُغلق واحدة تلو الأخرى ولم يعد خافيًا على أحد أن التحالفات التي بني عليها كاكا أمنه السياسي بدأت تتآكل

وحتى الأصوات التي كانت تلتزم الصمت بدافع الحذر أو المصلحة باتت تتحدث بصوت مسموع

فلا يمكن لرئيس أن يخوض مغامرة خارج الحدود ثم يتوقع أن يبقى في مأمن داخلها

السياسة ليست ملعبًا بلا ذاكرة هي مسرح يعود فيه الضوء إلى النقطة التي بدأ عندها الخطأ

وها هو الزمن يعود والدعم الذي قُدّم للمليشيا سقط والمصلحة التي كانت تُرجى تلاشت

والتحالفات الخارجية التي بُني عليها الاتزان انهارت والحساب الداخلي بدأ إنها اللحظة التي يكتشف فيها السياسي أن النار التي زرعها في أرض الآخرين تنبت شوكًا في حديقته هو والرسالة التي لا يمكن إخفاؤها… إرادة السماء لا تُهمل ورغم أن الحكومة التشادية تسعى للتقليل من شأن التحالف المسلح الجديد إلا أن الواقع على الأرض يقول خلاف ذلك المشهد تغيّر وما يحدث اليوم لا يمكن طمسه بالبيانات الرسمية ولا بعبارات التهدئة ثمة رسالة أكبر من السياسة تُقرأ الآن في تشاد إرادة السماء قد تُمهل السياسي طويلًا لكنها لا تُهمله حين يتمادى في الخطأ إن التحالفات التي تشكلت ليست مجرد جهد عسكري إنها ردّة فعل طبيعية لشعب يشعر أن قيادته دفعت البلاد إلى حافة الأخطار الإقليمية دون حساب توحّد الخصوم لم يكن حدثًا عابرًا ارتداد الدعم للمليشيا على صاحبه لم يكن مفاجأة والمشهد الجديد في تشاد ليس مجرد اضطراب سياسي بل مرحلة جديدة تكتب عنوانها بوضوح من يختار الاصطفاف مع الباطل… لا بد أن يسقط حين يسقط الباطل محمد كاكا اليوم يواجه ليس فقط معارضة مسلحة بل ارتدادًا أخلاقيًا وسياسيًا لخيارات اتخذها بوعي كامل وهنا يبرز درس تاريخي لا يخطئ الحروب التي تُدار خارج الوطن، قد تعود لتكتب نهاية الحكم داخله ما يجري في تشاد ليس صراعًا عابرًا ولا مجرد إعادة ترتيب مشهد سياسي إنه حساب مفتوح للقدر وامتحان صعب لرئيس ظن أن اللعبة بيده وأن الإقليم ملعب آمن للمغامرة لكن الحقائق تنكشف

التحالفات ليست أبدية

والقوة ليست ضمانًا ومن يزرع النار في بيوت الناس… لن تنطفئ في بيته بسهولة لقد ظللنا نكتب ونحذّر بأن الفاتورة الباهظة ستدفعها تشاد لا محالة وأن تقوية المعارضة التشادية بسلاح المليشيا السودانية المتمردة هو أمر مرحلي وأن العاقبة ستكون عودة المعارضة أكثر قوة لتصفية حساباتها مع الأسرة الحاكمة في تشاد أشرنا مرارًا في كتاباتنا إلى أن لقبيلة القرعان… ثأرٌ لم يبرد وقلنا إن قبيلة القرعان لها ثأر منذ سقوط حكومتهم التي كان رأسها حسين هبري وإن هذا الجرح السياسي لا يزال حيًا تحت الرماد.

وللقبائل العربية… طموح وثأر قديم حيث ذكرنا أن للقبائل العربية طموحات وثارات منذ أيام أصيل أحمد أغبش و ابن عمر وأن هذه الملفات القديمة لا تموت بل تنتظر لحظة مناسبة لتعود وأن مشروع حميدتي… ليس جديدًا بل امتداد لمشروع قديم فالدولة التي يريد حميدتي تأسيسها هي مشروع قديم يعود إلى ميلاد (الفيلق الإسلامي) الذي أسسه معمر القذافي على نهج نظرية التفوق الثقافي العربي وهي النظرية التي دفع ثمنها الرئيس فرانسوا تومبالباي حين استُهدف لأنه وفق تلك النظريات ذو أصول (غير عربية)

واليوم بعض قادة الجنجويد كانوا بين من تدربوا في ليبيا وما زالوا يحملون ذات الأفكار التي روج لها القذافي ولا يزال طيف ذلك المشروع يحوم حول المشهدين السوداني والتشادي إن ما يحدث اليوم في تشاد ليس انفجارًا مفاجئًا بل نتيجة طبيعية لمسار خاطئ طالما حذّرنا منه

والأيام تثبت أن التاريخ لا يرحم وأن الجغرافيا السياسية لا تعطي فرصًا بلا ثمن وأن النار التي تُستورد تعود وتشتعل في قلب من استوردها